وجهةُ نظرِ طالبٍ دوليٍ حول العيش المنفرد

يختلِفُ معنى مصطلح "طالب دولي" بينَ فردٍ وآخر. يعني هذا المُصطلح بالنسبة لي أن أعيشَ على بعد 9617كم عن منطقةِ الأمانِ والراحةِ الخاصة بي، ولم يكن تأثيرُهُ ذو طابِعٍ إيجابيٍ دائمًا. على الرغمِ من ذلك، أفتخِرُ بأن أقولَ أن الصراعاتِ التي واجهتُها عززت نموًا لم أعتقد أنهُ ممكِنٌ خلالَ فترةِ قصيرةٍ كثلاثِ أشهَرٍ.
 
هل يُعتبرُ العيشُ وحيدًا لأولِ مرةٍ أمرٌ صعبٌ؟ الإجابةُ على هذا السؤالِ هي: بالطبعِ! إنَ أكثرَ التحدياتِ التي واجهتُها والتي لا يُمكنُ لأحدٍ أن يُعلمني كيفَ أتصدى لها هي التفرّدُ بأفكاري. قد يبدو الأمرُ وكأنها مهارةٌ أساسيةٌ، ولكن لم أستطع أن أسمَحَ لعقلي بأن يشرُد بعيدًا. إحتجتُ دائمًا إلى توجيهِ كامِلِ تركيزي نحو شيءٍ معينٍ مثلَ قراءةَ كتابٍ، أو مُشاهدةَ مسلسلٍ تلفزيونيٍ، أو الإستماعَ إلى الموسيقى. ليسَ هذا وحسب، بل وصلتُ إلى مرحلةٍ تدفعُني لتأليفِ قصصٍ في عقلي لتجنُبِ التفكيرِ حتى عندما لا أكونُ بمفردي. وقد تتسألونَ لماذا وصلتُ إلى هذهِ المرحلة؟ لأنهُ، بالنسبةِ لي، يؤدي التفكيرُ إلى الإفراطِ في التفكير، وهذا الأخيرُ ينتج عنه القلق و الإكتئاب. لذلكَ، طوّرَ عقلي آليةَ دفاعٍ لحمايةِ نفسي وعدمِ التفكيرِ على الإطلاقِ.
 
تفاقمت مشكلتي مع إنتقالي إلى انكلترا. كنتُ أجدُ الكثيرَ من وسائِلِ الإلهاءِ على حاسوبي وهاتفي، وبالتالي سيطرت كثرةُ التفكيرِ على عقلي بشكلٍ كامِلٍ. وبالإضافةِ إلى مشاكلي المعتادة، بدأتُ أشعُرُ بالذنبِ حيالَ مشاعري، ففي حين يواجِهُ الناس حول العالم الكثير من المشاكِلِ، كنتُ أنا أعيشُ حياةً مميزةً، وغيرُ قادِرٍ على التعامُلِ مع مشاعِري. كنتُ بأمسِ الحاجةِ إلى إجراءِ تعديلاتٍ في حياتي.
 
تناولَ التعديلُ الأولُ الصدقَ والإعترافَ. أنا أعتبِرُ الصدق مع النفسِ أكثر أهمية من الصدقِ مع الآخرين، وأكثر صعوبة لأن ليسَ كلُّ ما نُفكِرُ فيهِ يجِبُ أن يكونَ لطيفًا، وأدركتُ أيضًا أن لا فائدةً من الكذِبِ على نفسي. ساعدني شراءُ مذكِرةِ يومياتٍ على تخطي مشكلتي. كانت المذكرةُ مساحةً آمنةً خلقتُها لنفسي، وفيها أستطيعُ أن أكونَ صادقًا مع مشاعري، والتعامل معها دونَ الخوفِ من الأحكامِ، أي إخراجُ الأفكارِ السيئةِ من مساحة رأسي.
 
تعلمتُ ببطءٍ، بعد أن أصبحتُ صادقًا مع نفسي، كيف يعملُ عقلي. يرتكِزُ إفراطي بالتفكيرِ على القلق الإجتماعي. لا أستطيعُ تحمل أن يُفكِر الناس الذين أحبهم بطريقةٍ سلبيةٍ تجاهي، ويمكنُ لأبسطِ الأمورِ أن تسبب لي القلق مثل توقف في التواصل، أو عدم الإجابة على رسالتي، أو حتى إبتسامة تفتقِدُ للحماسِ عند إلتقائنا. لذلكَ الآن، عندما أشعرُ بالقلقِ حولَ صديقٍ، أتأكدُ منه ما إذا كانت علاقتنا جيدة، وبالفعل يكونُ كلُّ شيءٍ على ما يرام، وعقلي يُفرِطُ بالتفكيرِ وحسب.
 
أشعُرُ بثقةٍ أكثر الآن، وأتمتعُ بعقليةٍ إيجابيةٍ، وتحولَ عقلي من عدوي اللدود إلى صديقي. إنَّ طريقَ الحصول على صحةٍ عقليةٍ جيدةٍ ليسَ طريقًا مُستقيمًا، فإنَ أيامي السوداء لازالت تُلاحقني، ولكنني مُقتنِعٌ أنني اذا استمريتُ بالمُحاربة، سأستمِرُ بالفوزِ.
إنَ الأمرَ نفسَهُ ينطبِقُ عليكَ. قد لا أعرِفُ ما هي التجرِبة التي تمُرُ بها، ولكنني أُدرِكُ كم يُمكِنُ أن تكونَ خانقة ومُستهلكة للمشاعر. إن لم تجد أحدًا يفهمُ شعورك، ثق بنفسِكَ أرجوك، واعلم أنكَ لستَ وحدكَ، وأنكَ أقوى من الصراعاتِ التي تواجِهُكَ.